محمد المرزوقي، التاريخ التونسي بأقلام الأدب الشعبي

كرّمت الدورة الـ 33 لمعرض تونس الدولي للكتاب، الأديب محمّد المرزوقي من خلال تنظيم لقاء شهد حضور  كلّ من رياض المرزوقي، علي سعيدان و بلقاسم بن جابر.

 

عديدة هي العوامل المجتمعية والبيداغوجية التي تساهم في تشكيل ذائقة المجتمع الفنّية وتطويرها. هو عمل لا يتطلّب مساهمة أناس ينسخ بعضهم بعضا، لكن لا بدّ أن ينطلق من البداية: وهي الإجابة عن سؤال من نحن؟ لأيّ نوع من التاريخ ننتمي؟ ومن كتب ثقافتنا؟
 

أجاب العديد من الفنّانين والمثقفين عن هذه الأسئلة بأشكال مختلفة، سقط منها ما سقط من كتاب التاريخ وبقي ما بقي بفضل مجهودات أعلام في تاريخ تونس اليوم، منهم محمد المرزوقي الذي ترك لمن بعده من الأجيال مدوّنة بحجم مجلّدات، تسرد واقع الاستعمار والمقاومة، وتحمل بين طياتها أغاني الحبّ والجمال، دون أن نجد لكلّ هذا أثرا واضحا في تونس الآن وهنا.

 

محمّد المرزوقي، معجم من لا لغة لهم

 

أتى محمّد المرزوقي من أقصى الجنوب التونسيباحثا عن المعرفة منذ الطفولة بسنّ أكبر من سنّ المدرسة وأصغر ممّا يخوّل له الدّخول إلى التعليم الزيتونيّ. هكذا انطلقت رحلته نحو إثبات الذات، بين الشغف بالعلم و لا أحقيّة العودة بعد الإخفاق، وهو أحد الدوافع التي زادت تشبّثه بجذوره وتمسّكه بالمكان الذي أتى منه وبأحد أهمّ خصائصه، ألا وهو الأدب الشعبيّ.
 

اختلف البعض حول العلاقة بين الأدب الشعبيّ والأدب المكتوب بالعربية الفصحى، وقد أكّد السيّد رياض المرزوقي في هذا السياق أنّه لا توجد صلة بينهما لا على مستوى الأسلوب، ولا المواضيع ولا حتى الأوزان والإيقاعات. فهو أدب يمتاز بخصوصيّته وبمعجمه الخاص، يعكس حياة شعوب ويؤسس لأنثروبولجيا شعبية يمكن من خلالها تمييز نمط حياة جهة عن أخرى وجيل عن آخر.
 

من بين المصطلحات الخاصة بهذا الأدب نجد "الشعر الأخضر" وهو الغزل، ويحتوي هذا الصنف على تدريجات ليكون الأخضر الفاتح تغزّلا خفيفا بالمحبوب، يكتسي الخجل والتكتّم، وصولا إلى الأخضر الغامق الذي يتّسم بالجرأة في الوصف حدّ الإباحة في الاحتفاء بالمتغزّل به. كما نجد "الضحضاح" وهو شعر خاصّ بالرحلة، ينظّمه الشّاعر في طريق البحث عن محبوبه واصفا هول الصحراء وصعوبة خوضها. بالإضافة إلى "السعفاية" وهما شخصان مهمّتهما الترديد وراء الشاعر حين يلقي قصائده في مختلف المحافل والمناسبات.
 

في هذا الإطار وجد محمد المرزوقي ولم يقف انتماؤه عند حدّ الإبداع باعتباره شاعرا شعبيّا، بل صار  منظّرا في هذا المجال ومجمّعا لمختلف الأعمال المنسيّة في تاريخ هذا الفنّ.

 

 

 

البحث عن محمّد المرزوقي هو بحث عن تاريخ لم يكتب بعد

 

لا نجد أثرا كبيرالمدوّنة الشعر الشعبي لهذا البلد كشأن غيره من التراث التونسيّ، وان وجد فهو غير مفهرس وغير مضبوط بشكل يضمن حصر هذا الإرث والاعتراف به. فقد حاول محمد المرزوقي جمعه في دفاتر اختلفت الروايات حول عددها بين الثلاثمائة، المائة والعشرين والمائة والسبعين. كما تتميّزهذه الدفاتر بسهولة النفاذإليها في دار الكتب الوطنيّة، وهو ما أدّى إلى سرقة بعضها أو نسبة بعضها إلى غير أصحابها.
 

كتب محمّد المرزوقي هذه الدفاتر عند ترؤسهمصلحة الأدب الشعبيالتابعة لوزارة الثقافة والتي تمّ إلغاؤها بعد وفاته. كما كتب كلّ أعماله استنادا إلى تجارب واقعيّة ومغامرات حقيقيّة. فبالإضافة إلى ما عاشه من نفي وسجن إثر كتاباته وانتمائه إلى الحزب الحرّ الدستوريّ التونسيّ وإلى حركة المقاومة قبل ذلك، قد كتب المرزوقي عن مختلف معارك التحرير وعن الثوّار كالدغباجي وغيره. كما عاش تجربة التّرحال وتلقّف القصص من أفواه العجائز إيمانا منه بقيمة تدوين التاريخ "الشفهي"لتوثيق العديد من الأحداث التي بقيت سجينة أذهان من عايشوها.
 

تحدّث الباحث بلقاسم بن جابر عن تجربته مع كتابه "إشكاليات الشعر الشعبي عند محمد المرزوقي"، الذي استغرق في كتابته سنوات عدّة، نظرا لندرةالمراجع والمعلومات المدقّقة حول هذا الموضوع، وقد التجأ في كتابته إلى مراجع المستشرقين في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إضافة إلى دراسات لباحثين عرب وأجانب، وضمّن بحثا حول المصطلح والإيقاع والتدوين والأوزان والأغراض والقضايا النقديّة الأساسيّة. كما استغرق هذا الكتاب وقتا للتدقيق في مدى حقيقة  انتسابها إلى محمد المرزوقي.
 

يعتبر هذا الكتاب من أهمّ ما حقّق في السنوات الأخيرة حول موضوع الأدب الشعبي في تونس، في ظلّ مختلف المحاولات التي اعتبرت فاشلة نظرا لتقصير فادح في عمليّة التدقيق في صحّة المعلومات وواقعيّتها. لكن من الضروري أن يتواصل السّعي نحو ردّ الاعتبار لمحمد المرزوقي وغيره من روّاد الأدب الشعبيّ الذين تجاهلهم التاريخ ويعاني هذا الجيل جراء ذلك أزمة ذوق فأزمة هويّة.

شيماء العبيدي
Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Mardi, avril 4, 2017 - 11:15