كوثر بن هنيّة، عندما تصنع السينما من الصدف والخيبات... ومن الحكايات

 

لم يكن الشعور الذي ارتسم على وجهها إثر حصولها على التانيت الذهبي في المسابقة الرسمية لأيام قرطاج السينمائية ، مجرّد شعور بالفرحة، بل كانت علامات انتصار لشيء ما، ربما لفكرة أو لنهج عمل. كما لم يكن تصريحها آنذاك بأنّ هذه الجائزة ردّ اعتبار للفيلم الوثائقي بشكل عامّ واعتراف به كقيمة سينمائية لا تقلّ جهدا و جماليّة عن غيره من الأصناف السينمائيّة، كافيا لتفسير تلك الملامح التي قربت من أوجه الطفولة بشكل جذّاب وحنينيّ.

 

 

لم تنطلق التساؤلات حول عالم كوثر بن هنيّة السينمائيّ منذ هذا اللقاء، لكنّ الجانب الاستفزازيّ فيما تقدّمه، ظهر منذ سنوات، بداية من الوثائقيّ الكاذب "الشلاط" وصولا إلى "زينب تكره الثلج" الذي استغرقت في تصويره ستّ سنوات.

لم تكن كوثر لتتعرّف على معجزة السينما في سنّ الخمس سنوات لولا جارها الذي أخبرها صدفة أنه ذاهب إلى هناك، لم تكن لتكسب شعبيّة بين أصدقائها أيّام المراهقة لولا إعادتهاسرد أفلام بوليود في أوقات الراحة، لم تكن لتمسك كاميرا لأوّل مرّة في العشرينات من عمرها لولا صدفة استماعها، لأوّل مرّة، للحديث عن الجامعة التونسية للسينمائيّين الهواة بأحد الراديوهات. ولم يكن ليحدث كلّ هذا، لولا إصرارها على دراسة السينما في تونس ثمّ في باريس بعد الحصول على شهادة من معهد الدراسات العليا للتجارة.

مع كلّ ذلك، قد شكّل التوجّه نحو مسيرة سينمائيّة، منعرجا في حياة كوثر وتحدّيا مجتمعيّا، فإثر دراستها بمعهد التجارة، نحن لا يمكن أن نتخيّلها سوى تلك الفتاة الذكيّة، صاحبة مركز مستقبليّ في أحد البنوك أو الشركات الكبرى، لكنّ ذلك الهوس رافقها منذ الطفولة، وظلّت تتعامل معه بشغف الطفلة، حين أرادت تصوير فيلم فور انخراطها صلب الجامعة التونسية للسينمائيّين الهواة دون الحصول على أيّ دورة تدريبيّة في هذا الشأن، وحين صوّرت أوّل فيلم روائيّ محترف لها، تجربة تعتبرها كوثرصدمة، حيث لم تستطع لا إدارة الممثّلين ولا الطّاقم التقنيّ الذي سيطر على العمل في ظلّ ضعف شخصيّتها التامّ في تلك المرحلة.

إنّها تنتمي إلى ذلك النوع من السينمائيّين الذين يغيّرون نظرتك عن السينما في كلّ لقاء معهم، وكلّ حديث عن أعمالهم. ليس لأنّهم يأتون بأفكار من خارج هذا العالم، لكن لأنّ كلّ فعل سينمائيّ بالنسبة إليهم هو مغامرة وتجربة حياتيّة بكلّ معاني الكلمة، ولأنّ الأسباب التي تدفع بهم للكتابة ثمّ للتصوير، هي أبسط ممّا يمكن أن نتخيّله، أحداث تمرّ كلّ يوم أمامنا دون أن نوليها اهتماما، لكنّها تطرح في أذهانهم العديد من الأسئلة وتفتح مجالا لتصوّرات أخرى عن العالم.

هكذا انطلقت في تصوير فيلم الشّلاط، الفيلم "الانتقاميّ" من تجربة الفيلم الروائيّ الأوّل، وهو وثائقيّ كاذب « Documenteur » ، اعتمدت في كتابته على إشاعة "الشلّاط" التي ظهرت في تونس عن الرجل الذي يحمل مشرطا ويجرح مؤخّرات النساء. استغلّت كوثر وجود مشتبه فيه في هذه القضية لتصوّره على أنّه الفاعل الحقيقيّ بالإضافة إلى شهادات العديد من الفتيات اللّواتي من المفروض أنّهنّ ضحاياه، لنتفرّج في النّهاية على فيلم روائيّ تمّ تصويره بكلّ تقنيات الفيلم الوثائقيّ ونخرج منه ليس فقط بتساؤلات حول حقيقة ما شاهدناه، بل حول حقيقة السينما كفعل فنيّ، وما تقدّمه من واقع يتأرجح بين الموجود والمتخيّل و أحياناالمفتعل

 

606x340_267816.jpg

 

نتعرّف في الأثناء على الفيلم القصير "يد اللّوح"، الذي شكّل فسحة سينمائيّة في مسيرة كوثر، وهو فيلم شديد الإتقان على مستوى السيناريو والصورة، يصوّر حيلة تبتدعها فتاة صغيرة كي لا تعود أبدا إلى "الكتّاب". تحصّل الفيلم على العديد من الجوائز في تونس والعالم و كان لا بدّ له أن ينتهي بمصالحتها مع الفيلم القصير كما فعل "الشّلاط" مع الفيلم الروائيّ على حدّ تعبيرها

 

1399460561_19.jpg

 

لا يمكن اعتبار فيلم "زينب تكره الثّلج"، أحد أولى أفلام بن هنيّة أو آخرها، هو فيلم انطلقت في تصويره، سنة 2010، قبل كلّ الأعمال التي ذكرت. ستّ سنوات من المتابعة لحياة عائلة بين تونس وكندا. فيلم، وإن كان وثائقيّا بالأساس، فهو يحمل نفس العبء من الأسئلة حول كيفيّة إنجازه، حول هالة الصّبر والثقة التي تحوم حول هذه العلاقة بينها وبين أناس قبلوا أن يكونوا شخصيات طوال سنين وطبعا حول السرّ الذي تخفيه هذه النوعيّة من السينما وأسرار عديدة لم تفصح كوثر عنها بعد.

 

zaineb-n-aime-pas-la-neige1_0.jpg

 

 

إذا أردنا تشبيه كوثر بمخرجين آخرين لهم تأثيرهم الخاص في تاريخ السينما، فسيكون دافيد لينش في اقتحامه خلسة لستوديوهات التصوير لإخراج فيلمه الأوّل "الرأس الممحاة"، وهو مافعلته مع سهام بلخوجة حين طلبت منها دون أيّ تمهيد أنّها تريد الدراسة بمعهدها وهي لا تملك المال. ستكون أليخندروجودوروفسكي في جعله من أناس عاديّين لا علاقة لهم بالسينما، أبطالا لأفلام، وهي أنييس فاردا في توجّهها نحو ما لا يلفت نظر الجميع في وثائقيّيها.

هي كوثر بن هنيّة التي تجاوزت تجربة البقاء في عالم السينما، إلى خلق طابعها الخاصّ وتطويره فيلما بعد فيلم.

 

شيماء العبيدي
Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Lundi, avril 10, 2017 - 21:15