كلنا منحازون.

ادَى الطوفان المعلوماتي الذي نعيشه في عصرنا الراهن إلى جعل الإنسان المعاصر متلقيا نهما للبيانات والمعطيات. حيث أفادت دراسة  أجراها باحثون في جامعة كاليفورنيا  بسان دييغو بأن الإنسان العادي يتلقى قرابة 34 Gigabytes من المعلومات يوميا و ذلك عن طريق  الهواتف النقالة، والإنترنت، والبريد الإلكتروني والتلفزيون والإذاعة والصحف والكتب…

 

وتؤكد الدراسة أننا ،خلال ساعات اليقظة، نتعرض ل 105،000 كلمة في اليوم بمعدل  23 كلمة في الثانية, و بما أننا غير قادرين على استيعاب هذا الكم الهائل من المعطيات بشكل كلَي، فإن الدماغ يقوم بتخزينها ليكمل عملية الفرز لاحقا.

 

فكيف يقوم الدماغ باختيار المعلومات التي يجب حفظها من تلك التي يجب التخلص منها ؟ و لماذا نجد أشخاصا قادرين، أفضل من غيرهم، على تحليل المعطيات و فرز الحقائق من المغالطات ؟

لنفترض انك جالس بمقهى تطالع جريدة و اعترضك خبر مفاده : " روسيا تقوم بإرسال مكوك فضائي إلى المريخ "

 

ان كنت من المولعين بعلوم الفضاء و الخيال العلمي، فإن دماغك يتقبل تلك المعلومة و يخزنها  ليستعملها لاحقا، اما ان كنت لا تحب روسيا، أو مؤمنا بنظرية المؤامرة القائلة أن قدم الإنسان لم تطأ يوما سطح القمر، فسيقوم عقلك بنبذ الخبر و التخلص منه، أو تسجيله على أساس مغالطة..و تسمى هذه الظاهرة : الانحياز التأكيدي (Biais de confirmation).

 

و الانحياز التأكيدي هو ميل الفرد إلى تبني آراء و مواقف متجانسة مع قناعاته و أحكامه المسبقة، بغض النظر عن مدى صحتها وواقعيتها، حيث يحبذ عقل الانسان تقبل وتأكيد الأفكار التي تتماشى مع خلفيته الاجتماعية والثقافية والدينية بينما يدحض الأفكار التي تناقض هذه الخلفيات.

 

فنحن نفضل زيارة المواقع التي تتناغم مع آرائنا السياسية  و الفكرية، و  نحب الحديث مع الناس الذين يتفقون معنا مسبقا, و نتشنج عند الاصطدام بأطروحة تخالف أفكارنا التقليدية.

 

الانحياز التأكيدي ليس إلا نوعا من أنواع التحيز المعرفي (Biais cognitif)  الذي يشمل عديد الانحيازات الأخرى.

 

فالتحيز المعرفي هو أي قيد في نمط التفكير أو خلل في الحكم, ناتج عن تأثير الذاكرة الانتقائية (Mémoire selective) ، أو الحسابات الخاطئة، مثل الأخطاء الإحصائية أو الشعور الزائف باحتمال أمر ما.

و يصنف علماء النفس والاجتماع هذا الخلل إلى عديد الأصناف منها:

 

 الانحياز الجمعي (biais endogroupe)

و هو مشابه بحد كبير للانحياز التأكيدي و من أهم مظاهر النزاعات القبليَة لدى الانسان.

و لهذا التحيز علاقة بهرمون الأوكسيتوسين اذ انه يساعدنا على إرساء روابط متينة و علاقات جيدة مع أفراد الجماعة التي ننتمي لها، ولكنه يجعلنا, في نفس الوقت, مرتابين من المجتمعات الغريبة عنا و مشككين في عاداتهم و مقتنعين اننا مجموعة أرقى من الأخريات.

 

انحياز للمصلحة الذاتية (Biais d'autocomplaisance)

يجعلنا هذا النوع من الانحياز نرى أننا السبب الوحيد نجاحاتنا و ضحايا عوامل خارجية في حالات فشلنا.

 

الإدراك الانتقائي (Perception selective)

يمكن أن نأخذ الجماهير الرياضية كابسط مثال لتفسير الإدراك الانتقائي ، فخلال مباريات كرة القدم  نجد مشجع كل فريق يظن أن فريقه ارتكب أخطاء أقل من الفريق المنافس... اذ ان هذا الانحياز يجعلنا انتقائيين عند تلقي المعلومة حتى قبل تحليلها.

 

تحيز المحافظة ( Biais de conservatisme)

يفضل الانسان التعلق بالأدلة القديمة التي اعتاد عليها و تصديقها على استبدال هذه الأدلة بأخرى حديثة تعوضها أو تخالفها .

فقد استغرق البشر وقت طويل لتقبل فكرة أن الأرض مستديرة الشكل لانه معتقد  يخالف الأدلة السابقة و المعتقد السائد بأن الأرض مسطحة.

 

و إن كنت تعتقد أنك بمجرد قراءة هذا المقال فسيكون بإمكانك التحكم بنفسك و الغاء تأثير الانحيازات المعرفية على قراراتك، فاعلم أنك مخطئ، بل اعلم  أن ما تظنه الآن هو نفسه نوع من أنواع الانحياز المعرفي و يسمى : انحياز النقطة العمياء (Biais de la tache aveugle) و هو الفشل في إدراك الانحيازات المعرفية المرتبطة بشخصيتنا بطريقة موضوعية، بينما يسهل علينا ادراك انحيازات الآخرين.

 

و في افضل الحالات، يمكننا الحد من تأثير بعض الانحيازات المعرفية على قراراتنا و أفكارنا و لكننا لا نستطيع التخلص منها كليَا، فالإنسان كائن معقد، و التعقيد يولد الانحياز ولهذا السبب...كلنا منحازون.

 

 

 

 

أحمد الصيد
Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Lundi, mars 20, 2017 - 08:30