سنة على وفاة آندريه فايدا، عن سينما الرّفض نتحدّث

 

تمرّ اليوم، 09 أكتوبر 2017، سنة على وفاة المخرج البولوني أندري فايدا Andrzej Wajda، أحد رواد الموجة الجديدة في السينما البولونيّة، ومن بين أبرز الأسماء في السينما العالمية.

 

في حديثنا عن علاقته بالموجة الجديدة للسينما البولونيّة، لابدّ أن نوضّح أنّ رؤيتنا لا تقتصر على الخصوصيّات التقنية لهذه الموجة بشكل عام، إنّما عن استثنائيّة التجربة البولونية بشكل خاص، هذا البلد الذي، كغيره من بلدان أوروبا الشرقية، قد مرّ بحقبات اجتماعية وسياسية مختلفة حدّ التناقض، وتأثّر، على مستويات عدّة، بالظروف الجيوسياسية والاقليمية المحيطة به. لابدّ لكلّ هذا أن يخلق سينما خاصة بمجتمعها تتابع تقلّباته واختلافاته، منها ما يتماشى مع التيار ومنها ما يتموقع ضدّه، كشأن سينما أندريه فايدا.

 

قبل أن يكون مخرجا، أندريه فايدا هو في البداية رسّام، فقد اهتمّ كثيرا بالفنون البصريّة عند اشتغاله مساعدا لأحد مرمّمي الرّسومات القديمة للكنائس، تجربة درس بعدها الرسم بجامعة الفنون في رادوم Radom، ثمّ السينما في جامعة لودز Łódź. بالإضافة إلى الفنون، تكوّن لديه وعي سياسيّ كبير منذ الطفولة، فهو ابن لقائد بالجيش البولوني، كما التحق هو بنفسه بجيش المقاومة أثناء الحرب العالمية الثانية. هذا الوعي تمظهر فيما بعد بشكل كبير في العديد من أفلامه، خاصّة في تركيزه على أزمة الهوية لدى المجتمع البولوني وأسطوريَّة فكرة القومية لديه، وبالتحديد معارضته للتدخّل السوفياتي في بلده وتأثيره السلبي والمباشر على استقلاليّة النظام البولوني وخاصة مجالي التعليم والفنون.

 

ترك فايدا بعد رحيله تجربة عظيمة لتاريخ السينما والفن، لايمكن أن نلخّصها في عدد الأفلام التي قام بكتابتها واخراجها والتي تجاوزت الأربعين، ولا بالسنوات التي تجاوزت بدورها الستين سنة، كما لا يقاس هذا الإرث بالجوائز التي أحرزتها أعماله والتي نالت حضوة كبيرة في مهرجانات عالمية ككان Cannes، برلينال Berlinale،والأوسكار Oscars، لكنّها ربّما تقاس بأشياء أصغر بكثير وأبسط من كلّ هذا، هي عناوين الأفلام التي تبقى بأذهان من شاهدوها، ليس فقط لما ذكرناه من محتواها الجديّ والحمّال لرمزيّات ومرجعيّات ثقافيّة هامّة، إنّما لاستيتيقيّتها المختلفة، وشاعريّة صورها حتى في أقصى لحظات الحزن أو التألّم والتعذيب.

 

من بين هذه الأفلام سنختار بكلّ ذاتيّة، ليس ما اعتبرناه الأجمل، إنّما ما وجدناه أكثر تتطابقا مع حياة المخرج والأقرب لأن يكون فلما شخصيّا.

 

كلّ شيء للبيع (Everything for sale (1969

 

قدّم آندريه فايدا هذا الفيلم على أنّه أكثر فيلم شخصيّ قام بإخراجه في حياته. هو ردّة فعل آنيّة اثر وفاة الممثّل البولوني الكبير زبينييف سيبولسكي Zbigniew Cybulski.

استوحى فايدا هذا العمل من فيلم ثمانية ونصف Eight and aHalf للمخرج الإيطالي فيديريكو فيلّيني Federico Fellini، هو تفكير في الحياة العامة للمجتمع البولوني، اعتمد فيه تقنية التضمين، فيلم وسط فيلم.

 

 

 

 

كاتين (Katyń (2007

 

كاتين هي أحد مدن بولونيا، شهر اسمها جرّاء مجزرة شهيرة قام بها الاتحاد السوفياتي ضد الشعب البولوني في بدايات السنوات الأربعين، جريمة لم تعترف بها موسكو سوى سنة 1990. بقي هذا الحدث كشأنه من بقية الجرائم السياسية موضع سرّ، إلى مابعد الحرب الباردة، ولم يكن لمخرج كفايدا تجاهله، ليس فقط لاهتمامه بكشف حقيقة الأمور في أفلامه، إنّما لوقع هذا الحدث الشخصيّ في حياته، حيث فقد خلاله والده الذي كان محاربا آنذاك. وقد قال فايدا في أحد حواراته عن هذا الفيلم : “هذا الفيلم هو قصّة أمّي. لقد كانت أمّي ضحيّة الغموض المحيط بقضية كاتين، وكان أبي أحد ضحايا هذه الجريمة.”

 

 

 

 

الورود الزرقاء (2016) Powidoki

 ستريمينسكي Władysław Strzemiński، هو رسام بولوني تتقاطع قصّته مع حياة آندريه فايدا في حدود ما، فقد كان هذا الرسام البلاروسي الذي درس ودرّس في جامعة لودز البولونية من بين رواد الحركة الطلائعية في الفنون التشكيلية في العالم، وقد تعرّض لجميع أشكال المنع والتعذيب عند رفضه لدخول الاتحاد السوفياتي لبولونيا بسياسته القائمة على الإيديولوجيا الموالية للنظام، والتي تمنع كل أشكال التحرّر في الفن وتفرض فنّا اشتراكيّا بامتياز. هو آخر فيلم لفايدا أكّد بإخراجه ثباته على جماليّة قصوى في السينما وعلى مواقفه القديمة التي لم تتغيّر حتى بعد تغيّر المعطيات التاريخيّة في بلده وفي العالم.

 

 

 

 

آندريه فايدا، بقي مثالا لسينما الرفض وال "لا"، وهو درس عن كيفية تحويل هذا الفن لأداة مقاومة فنيّة بامتياز.

 

 

شيماء العبيدي
Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Lundi, octobre 9, 2017 - 19:45