تيناريوان، يتحدّثون الموسيقى بكلّ اللغات

 

من الممكن أن نتوغّل بعمق كبير في موسيقى تيناريوان وندرسها من أبعاد أنثروبولوجيّة واستيتيقيّة، نظرا لخصوصيّة انتمائهم الجغرافي والثقافة الفنية المختلفة لهذا الوسط. من الممكن أيضا أن ننطلق في هذا التحليل بفكرة أن لا لغة للموسيقى، وهو مايجعل هذا العالم الغريب لتيناريوان قريبا من كلّ محبّيهم في العالم.

 لكن، ماذا لو تركنا كلّ هذه الأفكار النظرية التي لن يواصل قراءتها أيّ من المغرمين بهذه المجموعة؟ ماذا لو حضرنا حفلة لتيناريوان، شاهدناهم، وشاهدنا تفاعل الجمهور معهم؟ عندها فقط سنجد ربّما تعريفا للموسيقى، وإن لم نجد، فالأكيد أنّ نظرتنا الشاعرية المتمثّلة في أن لا لغة للموسيقى ستسقط كليّا، وسنعلم أنّ لهذا الفنّ لغة قائمة الذات، لولاها لما خاطب النّاس.

بالأمس، تفرّدت مجموعة تيناريوان بعرض على مسرح الحمامات في إطار الدورة 53 من مهرجانها الدولي، عرض نزلت خلاله المجموعة بكلّ ثقلها الفنيّ والثقافيّ، أغان من مختلف الألبومات وأفراد من مختلف الجنسيّات، يجمعهم لباس الطّوارق التقليديّ الذي عرفت به المجموعة في جميع تنقلاتها في العالم. لكن مالإستثنائيّ في الأمر؟  مالذي من شأنه أن يضع الجمهور في تلك الحالة؟ انغماس تامّ في الموسيقى وانصهار مطلق مع كلّ إيقاعات الأغاني إلى حدّ إثارة الاستغراب لدى أفراد المجموعة الذين لم تستطع ملامحهم إخفاء ذلك. لا بدّ أنّها اللّغة، بجميع أبعادها.

في البداية، يعرف الحاضرون وحتى الغائبون ممّن يتابعون هذه المجموعة، الكثير عنها. هم يعرفون الطوارق وطبيعة عيشهم، قسوة الحياة التي يتكبّدونها، تشبّثهم الشديد بمسألة الهويّة ونوعيّة القضايا السياسيّة التي يعانونها يوميّا. كما نعرف جميعا مدى التزام تيناريوان بهذه القضايا ومشاركتهم في التنديد بها منذ تأسيسهم. من الممكن اذا أن لا نفهم كلّ ما تقوله تيناريوان، لكنّنا نعي على الأقلّ ما يريدون إيصاله للعالم، ولنا أن نتخيّل كلّ القصص التي من شأنهم أن يرووها عن السلام والعزلة والانتظار.

سنفهم تيناريوان إذا فكّرنا أيضا  في أعماق هذه الألحان، اذا طرحنا سؤال من أين تأتي هذه الأغاني؟ هي ربّما تأتي في ظاهرها من عمق الصحراء، لكنّها في الحقيقة من قلب ابراهيم (مؤسّس المجموعة) الذي عاش الألم صغيرا عندما شهد اعدام أبيه من قبل المتشدّدين، وهي من روحه المتمرّدة منذ ذلك الحين، موسيقى صنعتها خلطة الحزن والغضب التي جمعت كلّ المنتمين إلى تلك الأمكنة التي لا يلتفت لها العالم.

وهي أخيرا لغة الموسيقى، في ذلك المزيج الذي طوّرته المجموعة منذ بداياتها، عالم الصحراء وايقاعات البلوز والروك، في انفتاح لامحدود على عالم لم يدرك دوره تجاه هؤلاء النّاس.

هكذا نفهم موسقى تيناريوان، من خلال عالم داخليّ لسنا بعيدين عنه، نتقاسمه معهم، حزنا ورقصا.

Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Mercredi, août 2, 2017 - 19:00