بديعة بوحريزي: مابعد الموسيقى البديلة، الموسيقى الحرة

لم يعد باستطاعتنا اليوم أن نتحدّث عن عالم الموسيقى، لأنّنا نكتشف يوما بعد يوم أنّ الموسيقى اكبر من العالم.

تعترضنا هذه الحتميّة عند الاستماع إلى نوتات عجيبة نعجز عن تصنيفها، عند مزيج كونيّ يستلهمه ملحّن من جولة حول العالم أو من قراءة التاريخ، ونشعره بشكل أكبر عند التواجد أمام صوت يأتي من خلف أسوار كوكب الأرض، ليس أجمل صوت ربّما، لكن بمقدوره أن يرحل بنا إلى ما بعد المفاهيم، والى ما وراء ما نعيشه انطلاقا من واقعنا نفسه.

بديعة بوحريزي، يحمل صوتها تركيبة موسيقيّة خاصّة، تؤثّر بشكل مباشر على ألحان أغانيها وكلماتها لتنتج أثرا به ما يكفي من التناسق حتّى نتحدّث عن نضج فنيّ قامت بتأكيده خلال حفلتها الأخيرة بالمهرجان الدولي للحمامات، هو العرض الما قبل الأوّل مع المجموعة الموسيقيّة التي صاحبتها في آخر مشاريعها Love, Revolt .

Love, Revolt، هو عمل مثير للصمتّ، فقد اشتغل بإتقان يهدف إلى التوقّف عن الضوضاء التي بداخلنا وتأمّلها للحظات، لذلك، فهو يدعو بالضرورة للتفكير.

نفكر في البداية في الموسيقى، ونفكّر بالذّات في الموسيقى البديلة  التي وإن أصبحت لونا قائم الذات فهي الآن تختلف من فنّان إلى آخر ومن موجة فنيّة إن صحّ التّعبير إلى أخرى. يقتصر أحيانا مفهومها عند البعض على ما سمّي بالفنّ الملتزم، كفنّ سياسيّ معارض بالأساس، ينقد الأنظمة ويدعو بشكل مباشر للثورة عليها، ويتطوّر تعريفها عند آخرين إلى كسر القواعد الموسيقيّة والشعريّة والثورة شكلا على السائد، ليتمّ تقديم فنّ يتماشى مع ما يعيشه العالم من عبثيّة، كما نجد من يتوجّهون بشكل مباشر نحو الذوق، ليكون الهدف الأساسيّ لهذه الأغاني البديلة هو تنمية الذوق، بغضّ النظر عن مدى جرأة محتواها، يكفي أن تحمل معان راقية حتّى تكتمل مواصفات البديل فيها. اتّخذ التعبير عن هذه المفاهيم أشكالا عدّة، منها من تخصّص في إحياء التراث على مستوى الكلمات أو على مستوى الألحان ومنها من سلك طريق التجديد من خلال مزج الألحان المحليّة بالغربيّة، واختلفت أيضا في كلّ هذا محتويات الأغاني والموسيقات بين الحبّ والثّورة و بين الواقعيّ والطوباويّ أيضا. هي فسيفساء إذا، لم تعد كما في القديم حكرا على صنف موسيقيّ معيّن ولكلّ أن يتموقع فيها، وقد تحوّل إلى عالم من الاختلاف الذي لا يتيح لنا اكتشاف أي شيء مختلف عنه.

نعود هنا للتحدّث عن عرض بديعة بوحريزي الذي يختلف عن هذا المختلف الذي أصبح سائدا. فعوض الموسيقى البديلة، نتحدّث هنا عن الموسيقى الحرّة. هو ربّما ليس مصطلحا قائم الذات في لغة الموسيقى، لكنّه شعور ينتابك حين تستمع إلى "يا ناسي هوايا" على سبيل المثال، فتدرك مدى عفويّة الكتابة التي تنطلق بنصّ لبديعة لكن تتخلّلها مقاطع من أغان أخرى أو مراجع طبعت ذاكرتها وذكرتنا أحدنا، لسنا نتحدّث طبعا عن اختيارات اعتباطيّة لكن عن صدق غريب في الكتابة، لا يمكنه سوى اختراقك.

ثمّ نفكّر في أشياء كثيرة أخرى، لعلّ أهمّها ما يمكن لفنّاني هذا البلد أن يقدّموا، ونتساءل عن مستقبل أعمال فنيّة في حجم العالميّة. وفي أبعد من هذا، نفكّر في كلّ التواقين إلى الحريّة، لكم في ما تغنّي بديعة ماتعيشون.

شيماء العبيدي
Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Lundi, août 7, 2017 - 17:15